الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
125
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
« فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) » ، أي : لزمتكم الحجّة ، فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلَّموا بأنّا مسلمون دونكم ، كما يقول الغالب للمغلوب - في جدل وصراع أو غيرهما - : اعترف بأنّي أنا الغالب وسلَّم لي الغلبة . ويجوز أن يكون من باب التّعريض ، ومعناه : اشهدوا واعترفوا بأنّكم كافرون ، حيث تولَّيتم عن الحقّ بعد ظهوره . « يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ » : ويدّعي كلّ فريق أنّ إبراهيم كان على دينهم ، اليهود تدّعي يهوديّته ، والنّصارى نصرانيّته « وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ » : الَّتي ثبت بها اليهوديّة ، « والإِنْجِيلُ » : الَّذي ثبت به النّصرانيّة ، « إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ » ، أي : بعد إبراهيم ، أنزلت التّوراة بعده بألف سنة ، والإنجيل بألفي سنة ، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلَّا بعده بأزمنة متطاولة ؟ ! « أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 65 ) » : حتّى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال . هكذا قاله المفسّرون ، وفي ما قالوه إشكال من وجهين : الأوّل : أنّه يمكن أن يقال ( 1 ) من قبل ( 2 ) اليهود والنّصارى : إنّ كون إبراهيم منهم ، لا يتوقّف على نزول التّوراة والإنجيل في زمانه ، لإمكان إيحاء اليهوديّة أو النّصرانيّة إليه ، ثمّ إنزال التّوراة والإنجيل على طبق ما أوحي إليه سابقا . الثّاني : أنّه قد تواتر أنّ إبراهيم - عليه السّلام - كان مسلما - وقد دلّ عليه الآية - وشيعة ، مع أنّ الإسلام والتّشيّع إنّما ثبت بالقرآن الَّذي نزل ( 3 ) بعده ، فما هو جوابكم فهو جوابهم . والأظهر أنّ مضمون الآية - واللَّه أعلم - أنّ كلَّا من اليهود والنّصارى ، يدّعي أنّ إبراهيم كان على الدّين الَّذي هم ( 4 ) عليه الآن ، من اليهوديّة ( 5 ) الَّتي حدثت بعد التّوراة ، والنّصرانيّة الَّتي حدثت بعد الإنجيل بالتّحريف والتّبديل ، فقال اللَّه - تعالى - : « لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ » ، وتدّعون أنّه كان على ما أنتم عليه الآن ، وهو حدث بتحريفكم بعد إنزال التّوراة والإنجيل [ بعد إبراهيم بمدد متطاولة ، وما كان له أصل من اللَّه ، حتّى يحتمل
--> 1 - ر : يؤمن . 2 - أ : قبيل . 3 و 4 - ليس في أ . 5 - ر : اليهوذا .